شهد العالم منذ أواخر القرن الخامس عشر تحولات كبرى ارتبطت بالكشوف الجغرافية، كان من أبرزها اكتشاف القارة الأمريكية سنة 1492م، وما تبعه من توسع استعماري أوروبي واسع النطاق. وقد أسهم هذا التوسع في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية العالمية، وظهور أنماط جديدة من التراكم الرأسمالي، كان لها أثر بالغ في صعود أوروبا الحديثة، وفي المقابل إضعاف مناطق واسعة من العالم، وعلى رأسها العالم الإسلامي.
أولًا: الاستعمار الأوروبي والتراكم الرأسمالي المبكر
كان اكتشافُ مناجم الذهب والفضة في أمريكا، واستئصالُ السكان
المحليين واستعبادُهم، ودفنُهم أحياءً في المناجم، والاستيلاءُ على أراضيهم الشاسعة—
منذ نحو عام 1492م—سببًا في تحولاتٍ اقتصاديةٍ كبرى، منها إسهامه في انتقال الاقتصاد
الإنجليزي من الزراعة إلى الصناعة. غير أن هذه الثروة الهائلة تدفقت إلى جيوب الرأسماليين
والحكومات. وبفضل هذا الاستعمار وتلك الإبادة، تدفقت كميات ضخمة من الذهب والفضة من
الأمريكتين إلى أوروبا. وكانت إسبانيا والبرتغال، ثم لاحقًا بريطانيا وفرنسا، فرسانَ
المضمار الاستعماري في العالم الجديد.
ثانيًا: تجارة الرقيق ودورها في الاقتصاد الاستعماري
وفي هذا السياق ازدهرت تجارة العبيد؛ إذ تحولت أفريقيا إلى
ما يشبه محميةً لاصطياد السود، كما يقول ماركس. وتُعدّ تجارة العبيد من أعمدة التراكم
الرأسمالي المبكر؛ فقد نُقل ملايين الأفارقة قسرًا إلى الأمريكتين عبر ما يُعرف بـ"تجارة
الرقيق عبر الأطلسي". وخلال الفترة من نحو 1500م إلى أواخر القرن الثامن عشر،
نُقل ما يقارب 20 مليون أفريقي، أُسروا من القرى الأفريقية، وحُشروا في ظروفٍ مروعة
على السفن، فمات منهم مئات الآلاف أثناء العبور، وعاشوا بعد ذلك أنماطًا من البؤس،
واستُخدموا كقوةَ عملٍ مجانية في المزارع.
ثالثًا: شركة الهند الشرقية والاستعمار في آسيا
وفي خطوة أخرى، بدأت أول حملة إنجليزية إلى الهند سنة
1591م، وفي عام 1600م تأسست شركة الهند الشرقية البريطانية لمنافسة البرتغال وهولندا،
وكانت لها صلاحيات غير عادية، مثل: عقد المعاهدات، وإنشاء الجيوش، وإعلان الحرب. واستطاعت
هذه الشركة الاستعمارية، الممثلة لبريطانيا، أن تحتل الهند (الهند–باكستان–بنغلاديش–كشمير)،
وتنهبها نهبًا وحشيًا، مما تسبب في مجاعاتٍ عظيمة وتدمير مقومات البلاد، وفرض ضرائب
قاسية على الفلاحين، وتحويل الزراعة إلى محاصيل تصديرية (مثل النيلة والأفيون)، ونقل
ثروات ضخمة إلى بريطانيا. وقد ساهم هذا التراكم في تمويل الثورة الصناعية، كما تحولت
المستعمرات إلى أسواقٍ استهلاكية للشركات الإنجليزية.
رابعًا: التقسيم الاستعماري للعالم
كان الاستعمار هو الثقافة السائدة في الغرب؛ ففي أواخر القرن
التاسع عشر (بعد مؤتمر برلين 1884م) تم تقسيم أفريقيا بالكامل تقريبًا. وفي آسيا خضعت
نحو 49 دولة للاستعمار، منها قرابة 30 دولة للاستعمار المباشر، ويكاد لا يوجد إقليم
في هاتين القارتين لم يتأثر بشكلٍ أو بآخر بالهيمنة الغربية. وبفضل الاستعمار حصل الغرب
على المواد الخام: كالقطن، والمطاط، والنفط، والمعادن (كالذهب والنحاس والفوسفات)،
كما حصل على الضرائب، وسيطر على الموارد في البلاد المستعمرة، وعلى الموانئ والمضايق،
وهي طرق التجارة، وجنّد السكان المحليين في الجيوش الاستعمارية. وبفضل هذه الثروة تعاظمت
الصناعة والقوة، وفُتحت أسواق لتصريف المنتجات الغربية قسرًا، فتدمرت الصناعات المحلية،
ونتج عن ذلك سوقٌ مضمون للرأسمالية الغربية، كما صُدِّر فائض السكان إلى المستعمرات،
ونُشرت اللغة وأنماط الثقافة والدين.
"إن ما اقترفته ما يُسمى بالأعراق المسيحية من همجيةٍ
وقسوةٍ صفيقة في جميع مناطق الدنيا، حيال جميع الشعوب التي أمكن لها أن تستعبدها، يتجاوز
جميع الفظائع التي ارتُكبت في أي عهدٍ تاريخي من قبل أي عِرقٍ كان، مهما بلغ من الوحشية
والجهل والقسوة والصفاقة."
(ماركس وإنجلز في الاستعمار، دار التقدم، موسكو، 1971، ص
152).وبخصوص النهب الاستعماري لمصر، يمكن مراجعة كتاب: "جون مارلو – تاريخ النهب
الاستعماري لمصر".وبفعل أنماط الاستعمار (= الاحتلال) السابقة، وضروب الاستغلال
المختلفة، تكوّنت القوة العسكرية والاقتصادية، وتعاظم الإنتاج الصناعي والتطور في الغرب.
خامسًا: الاستعمار وأثره في البنية الفكرية
وحتى الثقافة الغربية شهدت تحولات فكرية، من بينها تفسير
داروين للتطور البشري بوصفه صراعًا من أجل البقاء. وبعد أن استخلص داروين بعض النتائج
الاجتماعية من فكرة مالتوس، كتب إلى جراهام (2 يوليو 1881م): "قريبًا ستقوم الأجناس
ذات المستوى الحضاري المتفوق باستبعاد الأجناس الدنيا". وعلّق روجيه جارودي:
"هذه العنصرية، التي هي أساس كثير من السياسات الاستعمارية، ظلت سائدة منذ ذلك
الحين" (انظر: روجيه جارودي، كيف صنعنا القرن العشرين، ص 72).
سادسًا: أثر الاستعمار في العالم الإسلامي
كان العالم الإسلامي من أبرز ضحايا الاستعمار في الشرق، وبالإضافة
إلى العوامل الداخلية التي أدت إلى ضعفه، فإن من أهم نتائج الاستعمار وسلب الإرادة
الإسلامية ما يلي:
أولًا: إلغاء الشريعة وإضعاف الهوية الإسلامية
تم إلغاء الشريعة في المجال القانوني تدريجيًا؛ فأنشئت المحاكم
المختلطة سنة 1875م للفصل في قضايا الأجانب، وكانت تعتمد قوانين أوروبية، خاصة الفرنسية،
كما أُدخلت قوانين مدنية وتجارية حديثة. وفي هذه المرحلة بدأت الشريعة تُزاح من مجالات
الاقتصاد والتجارة، ثم وُضعت القوانين المدنية والتجارية والجنائية (قانون العقوبات)
وقوانين المرافعات، وكانت مستوحاة بدرجة كبيرة من القوانين الفرنسية، مما أدى إلى تراجع
دور الشريعة في المعاملات المدنية والجنائية، واقتصارها على الأحوال الشخصية.
ثانيًا: صناعة النخب المحلية
اعتمد الاستعمار
على دعم نخب محلية متأثرة بالنموذج الغربي، لتولي إدارة البلاد بعد الاستقلال الشكلي،
بما يضمن استمرار المصالح الاستعمارية ، وقد حرص الاستعمار على تقديم زعامات محلية
"متغربة"، إذ لم يكن يقبل أي زعامة تستند إلى الشريعة الإسلامية مرجعيةً
لها—إلا اضطرارًا—ولذلك عمل على تسليم البلاد، بعد استقلالٍ صوري، إلى شخصيات علمانية
ترتبط مصالحها به، ولا يزال حريصا حتى اليوم على أن تدور البلاد الإسلامية داخل إطار النخب الموالية له ، والتى لا تهتم فى العادة إلا بالولاء له مع الحرص على مصالحها الخاصة فى الزعامة والمال.
كان الغرب يحرص على التخلص من أي زعامات— حتى العلمانية منها —إذا وقفت في وجه مصالحه ونفوذه.
أنور علواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق