السبت، 16 مايو 2026

فضائل القرآن وجوامع الدعوات والأذكار ..لأبى عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي ..تحقيق ودراسة د. أنور فرج علواني الزعيري

 

الذكر والدعاء من معالم الرّوحانية فِي الإسلام، ولم يفْتُر القرآن الكريم فِي دعوته إلى الذكر والدعاء، قال تعالى ﱣﭐ    [الأحزاب: 41، 42]:، فالذكر مَنْشُورُ الْوِلَايَةِ وهو عبادة قد تفضل على الجهاد أحياناً فقد روي النَّبِيُّ أنه قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»([1]) وترجع أهمية الذكر عند الصوفِية إلى اعتباره ركنا أساسيًا فِي الطريق إلى الله، حتى قال القشيري «أنه العمدة فِي هذا الطريق، ولا يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر»([2])  ومن محاسن أقواله ومسموعاته أنه قال:  فَإِذَا كَانَ العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فَهُوَ الكامل فِي وصفه فِي حال سلوكه». وقال: «سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول الذكر منشور الولاية فمن وُفق للذكر فَقَدْ أعْطى المنشور ومن سلب الذكر فَقَدْ عُزل»، وسئل الواسطي عَنِ الذكر فَقَالَ: الخروج من ميدان الغفلة إِلَى فضاء المُشاهدة عَلَى غلبة الخوف وشدة الحب.

 ومن خصائص الذكر أَنَّهُ غَيْر مؤقت بَل مَا من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر اللَّه تَعَالَى إِمَّا فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فَقَدْ لا تجوز فِي بَعْض الأوقات والذكر بالقلب مستدام فِي عموم الحالات، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﱣﭐ    [آل عمران: 191]،  وَقَالَ أبو سليمان الداراني (ت: 215 هـ): إِن فِي الْجَنَّة قيعانا فَإِذَا أخذ الذاكر فِي الذكر أخذت الملائكة فِي غرس الأشجار فِيهَا فربما يقف بَعْض الملائكة فِيقال لَهُ: لَمْ وقفت فِيقال فتر صاحبي وَقَالَ الْحَسَن: تفقدوا الحلاوة فِي ثلاثة أشياء، فِي الصلاة،والذكر وقراءة الْقُرْآن، فَإِن وجدتم وإلا فاعلموا أَن الباب مغلق».

 أما الدعاء فعن النعمان بن بشير : أنَّ رسول الله قال: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﱣﭐ ﱑﱒ    ([3]).  وعن أبي هريرة ، عن النبي قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». ([4])  وعنه قال: قال رسول الله : «من لم يدع الله سبحانه غضب عليه». ([5]) قَالَ أَبُو حازم الأعرج، لأن أُحرم الدعاء أشد عَلَى من أَن أحرم الإجابة».  فالدعاء بمثابة أصل في العبودية، لذا قسَّمه العلماءُ إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فالتزام العمل الصالح مع ترك المنكرات يُطلب به التماس رضا الله والقبول منه والمغفرة،  يقول تعالى ﱣﭐ ﱿﲀ    [الأنعام: 56] فجعل الحق أخص خصائص شركهم دعاء غير الله، وقال حاكياًعن موقف  ابراهيم من قومه ﱣﭐ   ﲿ   ﳋﳌ [مريم: 48، 49] فعبَّر عن دُعائهم بالعبادة ﱣﭐ  ثم قال: ﱣﭐ    فتبيَّن أنّ دعائهم كان عبادة.

وقد ألَّف الإمام الكبير أبو عبد الله بن خفِيف كتاب «شَرْحِ الفَضَائِلِ وخَاصِّيَّةُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ وَجَوَامِعِ الدَّعَوَاتِ فِى الأَوْقَاتِ المُخْتَلِفَاتِ، وَالتَّسَابِيحِ وَالتَّهَالِيلِ، وَأَذْكَارِ الآدَمِيِّ والحيوانَات»  أو كتاب «فضائل القرآن وجوامع والدعوات والأذكار» للحثِّ على عبادتين من أصول العبادات  «الذكر والدعاء»، واستعان بعلومه الحديثية فِي تأليف الكتاب الذي قيل أنَّه ألَّفه فِي رَيْعان الشباب، فانتفع به خلائق لا يُحصيهم  إلا الله، ولكن الكتاب اغتالته حوادث الدهور  وسقط فِي هاوية النسيان مثل كثير من دُرر التراث الإسلامي،  وقد حاولت فِي هذه النشرة  ضبت الكتاب المذكور على نسخة فريدة مع خدمته بما وفقنا الله إليه، فنسأل الله القبول والتوفِيق.

يُطلب الكتاب من دار الإمام الرازي للنشر والتوزيع ، ش الأزهر ، أمام باب جامعة الأزهر بالقاهرة .

د. أنور علواني


 

 



([1]) سنن الترمذي،  تحقيق أحمد  شاكر، وأخرون، البابي الحلبي،  (5/ 459) رقم 3377

([2])أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن ، الرسالة القشيرية، تحقيق:د. عبد الحليم محمود،د.محمود بن الشريف، التوفيقية،  ص 357.

([3]) رواه الترمذي،  (3247)

([4]) رواه الحاكم،  (1 / 490).

([5]) رواه الترمذي، (3373)، وابن ماجه (3827).

الجمعة، 1 مايو 2026

مولد الذئاب ..أسباب قوة الغرب الرأسمالي وتطوره الاقتصادى والتكنولوجى

 

شهد العالم منذ أواخر القرن الخامس عشر تحولات كبرى ارتبطت بالكشوف الجغرافية، كان من أبرزها اكتشاف القارة الأمريكية سنة 1492م، وما تبعه من توسع استعماري أوروبي واسع النطاق. وقد أسهم هذا التوسع في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية العالمية، وظهور أنماط جديدة من التراكم الرأسمالي، كان لها أثر بالغ في صعود أوروبا الحديثة، وفي المقابل إضعاف مناطق واسعة من العالم، وعلى رأسها العالم الإسلامي.

أولًا: الاستعمار الأوروبي والتراكم الرأسمالي المبكر

كان اكتشافُ مناجم الذهب والفضة في أمريكا، واستئصالُ السكان المحليين واستعبادُهم، ودفنُهم أحياءً في المناجم، والاستيلاءُ على أراضيهم الشاسعة— منذ نحو عام 1492م—سببًا في تحولاتٍ اقتصاديةٍ كبرى، منها إسهامه في انتقال الاقتصاد الإنجليزي من الزراعة إلى الصناعة. غير أن هذه الثروة الهائلة تدفقت إلى جيوب الرأسماليين والحكومات. وبفضل هذا الاستعمار وتلك الإبادة، تدفقت كميات ضخمة من الذهب والفضة من الأمريكتين إلى أوروبا. وكانت إسبانيا والبرتغال، ثم لاحقًا بريطانيا وفرنسا، فرسانَ المضمار الاستعماري في العالم الجديد.

ثانيًا: تجارة الرقيق ودورها في الاقتصاد الاستعماري

وفي هذا السياق ازدهرت تجارة العبيد؛ إذ تحولت أفريقيا إلى ما يشبه محميةً لاصطياد السود، كما يقول ماركس. وتُعدّ تجارة العبيد من أعمدة التراكم الرأسمالي المبكر؛ فقد نُقل ملايين الأفارقة قسرًا إلى الأمريكتين عبر ما يُعرف بـ"تجارة الرقيق عبر الأطلسي". وخلال الفترة من نحو 1500م إلى أواخر القرن الثامن عشر، نُقل ما يقارب 20 مليون أفريقي، أُسروا من القرى الأفريقية، وحُشروا في ظروفٍ مروعة على السفن، فمات منهم مئات الآلاف أثناء العبور، وعاشوا بعد ذلك أنماطًا من البؤس، واستُخدموا كقوةَ عملٍ مجانية في المزارع.

ثالثًا: شركة الهند الشرقية والاستعمار في آسيا

وفي خطوة أخرى، بدأت أول حملة إنجليزية إلى الهند سنة 1591م، وفي عام 1600م تأسست شركة الهند الشرقية البريطانية لمنافسة البرتغال وهولندا، وكانت لها صلاحيات غير عادية، مثل: عقد المعاهدات، وإنشاء الجيوش، وإعلان الحرب. واستطاعت هذه الشركة الاستعمارية، الممثلة لبريطانيا، أن تحتل الهند (الهند–باكستان–بنغلاديش–كشمير)، وتنهبها نهبًا وحشيًا، مما تسبب في مجاعاتٍ عظيمة وتدمير مقومات البلاد، وفرض ضرائب قاسية على الفلاحين، وتحويل الزراعة إلى محاصيل تصديرية (مثل النيلة والأفيون)، ونقل ثروات ضخمة إلى بريطانيا. وقد ساهم هذا التراكم في تمويل الثورة الصناعية، كما تحولت المستعمرات إلى أسواقٍ استهلاكية للشركات الإنجليزية.

رابعًا: التقسيم الاستعماري للعالم

كان الاستعمار هو الثقافة السائدة في الغرب؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر (بعد مؤتمر برلين 1884م) تم تقسيم أفريقيا بالكامل تقريبًا. وفي آسيا خضعت نحو 49 دولة للاستعمار، منها قرابة 30 دولة للاستعمار المباشر، ويكاد لا يوجد إقليم في هاتين القارتين لم يتأثر بشكلٍ أو بآخر بالهيمنة الغربية. وبفضل الاستعمار حصل الغرب على المواد الخام: كالقطن، والمطاط، والنفط، والمعادن (كالذهب والنحاس والفوسفات)، كما حصل على الضرائب، وسيطر على الموارد في البلاد المستعمرة، وعلى الموانئ والمضايق، وهي طرق التجارة، وجنّد السكان المحليين في الجيوش الاستعمارية. وبفضل هذه الثروة تعاظمت الصناعة والقوة، وفُتحت أسواق لتصريف المنتجات الغربية قسرًا، فتدمرت الصناعات المحلية، ونتج عن ذلك سوقٌ مضمون للرأسمالية الغربية، كما صُدِّر فائض السكان إلى المستعمرات، ونُشرت اللغة وأنماط الثقافة والدين.

 وفيما يخص النظام الاستعماري المسيحي، قال وليام هاويت:

"إن ما اقترفته ما يُسمى بالأعراق المسيحية من همجيةٍ وقسوةٍ صفيقة في جميع مناطق الدنيا، حيال جميع الشعوب التي أمكن لها أن تستعبدها، يتجاوز جميع الفظائع التي ارتُكبت في أي عهدٍ تاريخي من قبل أي عِرقٍ كان، مهما بلغ من الوحشية والجهل والقسوة والصفاقة."

(ماركس وإنجلز في الاستعمار، دار التقدم، موسكو، 1971، ص 152).وبخصوص النهب الاستعماري لمصر، يمكن مراجعة كتاب: "جون مارلو – تاريخ النهب الاستعماري لمصر".وبفعل أنماط الاستعمار (= الاحتلال) السابقة، وضروب الاستغلال المختلفة، تكوّنت القوة العسكرية والاقتصادية، وتعاظم الإنتاج الصناعي والتطور في الغرب.

خامسًا: الاستعمار وأثره في البنية الفكرية

وحتى الثقافة الغربية شهدت تحولات فكرية، من بينها تفسير داروين للتطور البشري بوصفه صراعًا من أجل البقاء. وبعد أن استخلص داروين بعض النتائج الاجتماعية من فكرة مالتوس، كتب إلى جراهام (2 يوليو 1881م): "قريبًا ستقوم الأجناس ذات المستوى الحضاري المتفوق باستبعاد الأجناس الدنيا". وعلّق روجيه جارودي: "هذه العنصرية، التي هي أساس كثير من السياسات الاستعمارية، ظلت سائدة منذ ذلك الحين" (انظر: روجيه جارودي، كيف صنعنا القرن العشرين، ص 72).

 كما أنتج الفكر الغربي مفهوم العلمانية (Secularism)، وتُعرَّف بأنها: مذهب أو نظام يقوم على فصل الدين عن الدولة، وإخضاع الشأن العام (السياسة، القانون، التعليم) لأسس غير دينية، بحيث يكون مصدر التشريع بشريًا (العقل، الإرادة العامة، التجربة)، مع إبقاء الدين غالبًا في المجال الخاص. وهذا ما يُعرف بالعلمانية المتسامحة. أما العلمانية المتطرفة—كالشيوعية—فترى الدين عدوًا يجب القضاء عليه لصالح الإلحاد. وتحت مظلة العلمانية ظهرت مذاهب فكرية متعددة في الاقتصاد والحكم والأدب والاجتماع. وقد تصالحت المسيحية واليهودية الحديثة مع العلمانية، مما أدى إلى تقزيم الدور الديني في المجال العام.

سادسًا: أثر الاستعمار في العالم الإسلامي

كان العالم الإسلامي من أبرز ضحايا الاستعمار في الشرق، وبالإضافة إلى العوامل الداخلية التي أدت إلى ضعفه، فإن من أهم نتائج الاستعمار وسلب الإرادة الإسلامية ما يلي:

 

أولًا: إلغاء الشريعة وإضعاف الهوية الإسلامية

تم إلغاء الشريعة في المجال القانوني تدريجيًا؛ فأنشئت المحاكم المختلطة سنة 1875م للفصل في قضايا الأجانب، وكانت تعتمد قوانين أوروبية، خاصة الفرنسية، كما أُدخلت قوانين مدنية وتجارية حديثة. وفي هذه المرحلة بدأت الشريعة تُزاح من مجالات الاقتصاد والتجارة، ثم وُضعت القوانين المدنية والتجارية والجنائية (قانون العقوبات) وقوانين المرافعات، وكانت مستوحاة بدرجة كبيرة من القوانين الفرنسية، مما أدى إلى تراجع دور الشريعة في المعاملات المدنية والجنائية، واقتصارها على الأحوال الشخصية.

 أما في تركيا— بلد الخلافة— فقد بدأ التحول الجذري (1924–1937م) بإجراءات حاسمة، منها: إلغاء الخلافة (1924م)، وإلغاء المحاكم الشرعية، وإلغاء وزارة الأوقاف والشريعة، واستبدال القوانين بالقانون المدني السويسري، والجنائي الإيطالي، والتجاري الألماني؛ فتم استبدال الشريعة كنظام قانوني بالكامل، وجرى تغريب تركيا بصورة شاملة.

 

ثانيًا: صناعة النخب المحلية

 اعتمد الاستعمار على دعم نخب محلية متأثرة بالنموذج الغربي، لتولي إدارة البلاد بعد الاستقلال الشكلي، بما يضمن استمرار المصالح الاستعمارية ، وقد حرص الاستعمار على تقديم زعامات محلية "متغربة"، إذ لم يكن يقبل أي زعامة تستند إلى الشريعة الإسلامية مرجعيةً لها—إلا اضطرارًا—ولذلك عمل على تسليم البلاد، بعد استقلالٍ صوري، إلى شخصيات علمانية ترتبط مصالحها به، ولا يزال حريصا حتى اليوم على أن تدور البلاد الإسلامية داخل إطار النخب الموالية له ، والتى لا تهتم فى العادة إلا بالولاء له مع الحرص على مصالحها الخاصة فى الزعامة والمال.

 ثالثًا: التخلص من الزعامات المخالفة

كان الغرب يحرص على التخلص من أي زعامات— حتى العلمانية منها —إذا وقفت في وجه مصالحه ونفوذه.

 وفي ضوء ما سبق، فإن التعامل مع الغرب ورجاله في البلاد الإسلامية—بحسب هذا التصور—يُبنى على أساس الصراع، إذ لا يُعامل العدو إلا بوصفه عدوًا؛ لأن النتيجة المتوقعة، إذا لم يحدث ذلك، هي ضياع الدين والدنيا. وهذا هو الواقع القائم في العالم الإسلامي اليوم، حيث تراجع حضور الدين في المجال العام، وغلبت أوضاع الفقر والعوز على كثير من المجتمعات.

أنور علواني

السبت، 19 يناير 2019

أبو مسلم الخولاني الداراني - من سادات الزهاد -

أبو مسلم الخولاني الداراني ( ت : 51 فى خلافة معاوية ) ، 


 سيد التابعين وزاهد العصر. اسمه على الاصح: عبد الله بن ثوب ، أسلم فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم باليمن وحضر إلى المدينة فى خلافة الصديق ، وكان سبب خروجه من اليمن أن الأسود بن قيس ( العنسى ) تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم الخولاني فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: فتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فرددها عليه مرات. فلما رأى أنه لا يجيبه أمر بنار عظيمة فأججت ثم قذف أبا مسلم فيها فلم تضره، فقال له من اتبعه: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك أمر من اتبعك فأمره بالرحيل، فأتى المدينة فأناخ راحلته بباب المسجد، وعمد إلى سارية من سواري المسجد ليصلي إليها، فبصر به عمر، فأقبل إليه فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، فقال: من أين أقبلت؟ قال: من اليمن. قال: فما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب. قال أنشدك بالله أنت هو! قال: اللهم نعم، فاعتنقه وبكى، وأخذ بيده وانطلق به إلى أبي بكر رضي الله عنه حتى أجلسه فيما بينه وبينه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به مثلما فعل بإبراهيم خليل الرحمن فلم تضره النار..  [1]

. وتلقى العلم على عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي ذرالغفاري، وعبادة بن الصامت ، وخرج بعد ذلك الى الشام فسكن الشام بداريا . وعُرف : بقارئ أهل الشام. وكان أبو مسلم يتكلف حضور صلاة الجماعة من داريا إلى المسجد الجامع بدمشق التماس الفضيلة. وبين داريا والمسجد أربعة أميال. وشارك فى الجهاد ضد الروم ، وكان يصوم فى السفر للجهاد فإذا حضر القتال أفطر .  [2] وكان يدخل على معاوية فيقول : " السلام عليك أيها الاجير، فيقول من عند معاويه : مه. فيقول معاوية : دعوه، فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا أبا مسلم. فيعظه ويحسه على العدل  [3]وتوفى أبو مسلم فى إحدى غزوات الشتاء فى أرض الروم ، فلما مرض فى هذه الغزوة وأيقن بالموت عاده أمير الجيش بسر بن أبي أرطاة فقال له أبو مسلم  اعقد لي على من مات في هذه الغزاة، فإني أرجو أن آتي بهم يوم القيامة على لوائهم " [4]
.
من خصائص زهده
كثرة السجود والعبادة عن شرحبيل: أن رجلين أتيا أبا مسلم في منزله فقال بعض أهله: هو المسجد فأتيا المسجد فوجداه يركع، فانتظرا انصرافه، وأحصيا ركوعه، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاث مئة ركعة، والآخر أربع مئة ركعة قبل أن ينصرف، [5]  قيل لأبي مسلم الخولاني حين كبر: إنك كبرت ورققت، فلو رفقت بنفسك، قال: أليس إذا أرسلت الحلبة فقلت لفرسانها: ارفقوا بها وسددوا بها، فإذا دنوتم من الغاية فلا تستبقوا منها؟ قال: فقد رأيت الغاية فدعوني.
كثرة الذكر ،
كان أبو مسلم يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، وكان يقول: اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون. [6]
وكان ربما ضرب نفسه إذا شعر بتقصيره علق أبو مسلم سوطا في المسجد، فكان يقول: أنا أولى بالسوط من البهائم، فإذا فتر، مشق (ضرب بسرعة) ساقيه سوطا أو سوطين.
كثرة ظهور الكرامات على يديه وقد حفلت بها كتب التراجم
_________________________________________
[1] ابن عساكر : تاريخ دمشق (4/ 137،)
[2] ابن عساكر : تاريخ دمشق (4/ 138)
[3] الذهبى : سير أعلام النبلاء (4/ 13)
[4] المصدر السابق  (4/ 13)
[5] ابن عساكر  تاريخ دمشق (4/ 138،)
[6] المصدر السابق  (4/ 138)