الذكر والدعاء من معالم الرّوحانية فِي الإسلام،
ولم يفْتُر القرآن الكريم فِي دعوته إلى الذكر والدعاء، قال تعالى ﱣﭐ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﱢ [الأحزاب: 41، 42]:، فالذكر مَنْشُورُ الْوِلَايَةِ
وهو عبادة قد تفضل على الجهاد أحياناً فقد روي النَّبِيُّ ﷺ أنه قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ
أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ
وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ
تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟
قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ:
«مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»([1]) وترجع أهمية الذكر عند الصوفِية إلى اعتباره ركنا
أساسيًا فِي الطريق إلى الله، حتى قال القشيري «أنه العمدة فِي هذا الطريق، ولا
يصل أحد إلى الله إلا بدوام الذكر»([2]) ومن
محاسن أقواله ومسموعاته أنه قال: فَإِذَا
كَانَ العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فَهُوَ الكامل فِي وصفه فِي حال سلوكه». وقال: «سمعت
الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول الذكر منشور الولاية فمن وُفق للذكر فَقَدْ أعْطى
المنشور ومن سلب الذكر فَقَدْ عُزل»، وسئل الواسطي عَنِ الذكر فَقَالَ: الخروج من
ميدان الغفلة إِلَى فضاء المُشاهدة عَلَى غلبة الخوف وشدة الحب.
ومن خصائص
الذكر أَنَّهُ غَيْر مؤقت بَل مَا من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر اللَّه
تَعَالَى إِمَّا فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فَقَدْ لا تجوز
فِي بَعْض الأوقات والذكر بالقلب مستدام فِي عموم الحالات، قَالَ اللَّه تَعَالَى:
ﱣﭐ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﱢ [آل عمران: 191]، وَقَالَ أبو سليمان الداراني (ت: 215 هـ): إِن
فِي الْجَنَّة قيعانا فَإِذَا أخذ الذاكر فِي الذكر أخذت الملائكة فِي غرس الأشجار
فِيهَا فربما يقف بَعْض الملائكة فِيقال لَهُ: لَمْ وقفت فِيقال فتر صاحبي وَقَالَ
الْحَسَن: تفقدوا الحلاوة فِي ثلاثة أشياء، فِي الصلاة،والذكر وقراءة الْقُرْآن،
فَإِن وجدتم وإلا فاعلموا أَن الباب مغلق».
أما
الدعاء فعن النعمان بن بشير ◙: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﱣﭐ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱢ ([3]). وعن أبي
هريرة ◙، عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». ([4]) وعنه ◙ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يدع الله سبحانه غضب عليه». ([5]) قَالَ أَبُو حازم
الأعرج، لأن أُحرم الدعاء أشد عَلَى من أَن أحرم الإجابة». فالدعاء بمثابة أصل في العبودية، لذا قسَّمه
العلماءُ إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فالتزام العمل الصالح مع ترك المنكرات
يُطلب به التماس رضا الله والقبول منه والمغفرة،
يقول تعالى ﱣﭐ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﱢ [الأنعام: 56] فجعل الحق أخص خصائص شركهم دعاء
غير الله، وقال حاكياًعن موقف ابراهيم ♠ من قومه ﱣﭐ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﱢ [مريم: 48، 49] فعبَّر عن دُعائهم بالعبادة ﱣﭐ ﲲ ﲳ ﲴ ﱢ ثم قال: ﱣﭐ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﱢ فتبيَّن أنّ دعائهم كان عبادة.
وقد ألَّف الإمام الكبير أبو عبد الله بن خفِيف
كتاب «شَرْحِ الفَضَائِلِ وخَاصِّيَّةُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ وَجَوَامِعِ
الدَّعَوَاتِ فِى الأَوْقَاتِ المُخْتَلِفَاتِ، وَالتَّسَابِيحِ وَالتَّهَالِيلِ،
وَأَذْكَارِ الآدَمِيِّ والحيوانَات» أو
كتاب «فضائل القرآن وجوامع والدعوات والأذكار» للحثِّ على عبادتين من أصول العبادات «الذكر والدعاء»، واستعان بعلومه الحديثية فِي
تأليف الكتاب الذي قيل أنَّه ألَّفه فِي رَيْعان الشباب، فانتفع به خلائق لا يُحصيهم إلا الله، ولكن الكتاب اغتالته حوادث الدهور وسقط فِي هاوية النسيان مثل كثير من دُرر التراث
الإسلامي، وقد حاولت فِي هذه النشرة ضبت الكتاب المذكور على نسخة فريدة مع خدمته
بما وفقنا الله إليه، فنسأل الله القبول والتوفِيق.
يُطلب الكتاب من دار الإمام الرازي للنشر والتوزيع ، ش الأزهر ، أمام باب جامعة الأزهر بالقاهرة .
د. أنور علواني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق