الأحد، 2 أغسطس 2026

كمال الدين حسين بن محمد اللاري (ت: 928هـ) مؤلف كتاب " تحقيق الزوراء" .

 كمال الدين حسين بن محمد اللاري (ت: 928هـ) – تلميذ الجلال الدواني


ما من أمةٍ نهضت إلا وكان لها من ميراث من سبقها زادٌ تستمد منه، ثم تزيد عليه بالنظر والتحرير، والتهذيب والتكميل. وقد كان للمسلمين في هذا المضمار القدح المعلى؛ إذ تلقَّوا علوم الأمم، فلم يقفوا عند حدود النقل والرواية، بل أعملوا فيها عقولهم، وأجروا عليها محكَّ النقد، فصححوا، وهذبوا، واستدركوا، وأضافوا، حتى غدت تلك العلوم في ثوب جديد، يجمع بين أصالة الموروث وخصوبة الابتكار.

وكان التصوف أحد أبرز المظاهر العلمية والروحية التي طبعت تلك الحقبة، ولم يكن يومئذٍ معزولًا عن سائر العلوم، بل تداخل مع الفلسفة كما تداخل مع علم الكلام، حتى غدت الحدود بين هذه المعارف في كثير من المواطن شفافة، يتخلل بعضها بعضًا، ويستضيء بعضها بأنوار بعض. ومن هذا التلاقي وُلد ما اصطلح على تسميته بالتصوف الفلسفي، وهو مسلك سعى أربابه إلى الاستعانة بالمقدمات الفلسفية في تقرير بعض القضايا الدينية، والاستدلال على الأحوال الذوقية التي رأوا أن العبارة تقصر عن استيفاء حقها، وأن الإشارة أقدر على كشف مكنونها.

ثم أشرقت في سماء الفكر الإسلامي مدرسة أخرى، عُرفت بحكمة الإشراق أو فلسفة الإشراق، فجعلت المعرفة ثمرةً لاجتماع نور العقل وصفاء البصيرة، ورأت أن الرياضة النفسية والتألُّه ليسا نقيضين للنظر البرهاني، بل جناحًا آخر يحلق به العقل إلى آفاقٍ قد يعجز عن بلوغها وحده، فينكشف للسالك من بواطن الوجود ما يظل مستورًا عن النظر المجرد، ويتراءى له من دقائق الحقائق ما لا تدركه الحواس ولا تناله العبارة إلا على سبيل الرمز والإيماء.

ولم يطل الزمن حتى امتزج هذان التياران امتزاجًا وثيقًا، فانعكس أثرهما في مصنفات طائفة من كبار العلماء والفلاسفة، وكان من أبرزهم العالم الأشعري جلال الدين الدواني (830–908هـ)، الذي جمع بين دقة النظر الكلامي، وسعة البحث الفلسفي، وإشراق الذوق الصوفي، كما ظهر أثر هذا الامتزاج في فلسفة صدر المتألهين الشيرازي (ت: 1050هـ)، المعروف بملا صدرا، الذي شاد بناءً فلسفيًا جمع فيه بين البرهان والعرفان.

وكان محمد بن أسعد، المعروف بجلال الدين الدواني، إمامًا من أئمة عصره، تجاوز صيته حدود بلاده، حتى تناقلت شهرته مدارس المشرق الإسلامي. وقد برع في الفقه، والكلام، والفلسفة، والتصوف، وألَّف رسالتين أصبحتا من أنفس ما خلفه في الحكمة الإشراقية.

أما الأولى فهي الزوراء، وهي خلاصة خواطر علمية، ولمعات فكرية، وسوانح ذوقية، كانت تعرض له أثناء تدريسه كتاب حكمة الإشراق للسهروردي، فيفيض بها على صفحات رسالته كما يفيض النور على صفحة الماء؛ كلماتٌ قليلة المبنى، غزيرة المعنى، يلوح ظاهرها قريبًا، ويستتر باطنها وراء لطائف من الإشارة ودقائق من العبارة.

فلما تداولها أهل العلم، ورأوا ما اشتملت عليه من دقائق وإشارات، التمسوا منه أن يكشف مستورها، ويقرب مأخذها، ويحل معاقدها، فوضع عليها رسالته الثانية، الحوراء، فجاءت شرحًا لغوامضها، وإيضاحًا لمقاصدها، فاقترنت الرسالتان اقتران المتن ببيانه، والإشارة بكشفها، ثم ذاع صيتهما، وكثرت العناية بهما، وتتابعت الشروح والحواشي عليهما في أنحاء المشرق الإسلامي.

وكان من أجلِّ من تصدى لشرحهما كمال الدين حسين بن محمد اللاري (ت: 928هـ)، أحد خواص تلامذة الدواني، إذ وضع شرحه الموسوم بـ تحقيق الزوراء، وهو شرح يمتاز بقربه من مراد المؤلف، وحسن إحاطته بمقاصده.

واللاري هو كمال الدين حسين بن محمد بن فخر بن علي اللاري، أحد أبرز تلامذة المحقق جلال الدين الدواني. وقد صرح في ثنايا شرحه بأنه عاصر شيخه، وأخذ عنه مشافهة، وقرأ عليه رسالة الزوراء، وتلقى تفسيرها من فيه إلى أذنه، فلم يكن ناقلًا لعبارة مجردة، بل وارثًا لفهمٍ تلقاه من صاحبه. ومن هنا اكتسب شرحه منزلةً خاصة بين سائر الشروح؛ إذ غدا مرآةً تعكس فكر الدواني كما تلقاه تلميذه، لا كما استنبطه المتأخرون من ألفاظه، فاجتمع له شرف الرواية، ودقة الدراية، وقرب المورد، وحسن الفهم.

د. أنور فرج علواني سالم 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق